مولي محمد صالح المازندراني
140
شرح أصول الكافي
وتزيينهما بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة ، واتّصافه بالكمالات العلمية والعملية واستحقاقه للحياة الأبديّة والخلافة الربّانية ، واستكماله في الحقيقة الإنسانية فهذا ناج من ألم الفراق والعقوبات الاُخروية لكشف الحجاب بينه وبين الحضرة الربوبية ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) . ( وعالم تارك لعلمه ) لتدنّس ظاهره بالأعمال الباطلة وتوسّخ باطنه بالأخلاق الفاسدة ، واتّباعه للقوّة الشهوية والغضبية ، وركوبه على النفس الأمّارة حتى تورده في موارد طلب الدنيا وزهراتها ، وجمع زخارفها ومشتهياتها وتحمّله إلى الغلظة على الصلحاء والزهّاد ، وتسرّعه إلى الفتاوي والحكومة بين العباد ، وتمدّحه لحكّام الجور وتعبّده لهم ، والتياذه بهم ، وبالجملة هو الذي وضع العلم على طرف اللسان ولم يصل أثره إلى القلب وسائر الأركان . ( فهذا هالك ) لابتلائه ألم الفراق وشربه كأساً مسمومة المذاق ، واستماعه سحقاً يوم التلاق حين يشاهد ربح العلماء العاملين ونور سيماء المقرّبين ألا ذلك هو الخسران المبين . ( وإنّ أهل النار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه ) التابع للنفس وهواها ، وهذا الريح ينشأ إمّا من قبح أفعاله ونتن أعماله ، وهذا النتن موجود في الدنيا أيضاً إلاّ أنّ الشامة القاصرة لا تدركها والآخرة محلّ بروز الكامنات والأسرار أو ينشأ من شدّة تعذيبه بالنار لاستحقاقه إيّاها ، إذ العلم ميزان يوزن به الدنيا والآخرة ويعرف به فضل الآخرة على الدنيا ومعرفة ذلك يستلزم ذكر الموت ودوام ملاحظته وذلك مستلزم للرهبة والعمل لما بعده ، فالعالم إذا ترك العمل وآثر الدنيا على الآخرة مع العلم بالتفاضل وسوء عاقبة الركون إلى الدنيا ومتابعة النفس فهو بزيادة التعذيب أحرى وباستحقاق اللوم والعقوبة أجدر وأوْلى ، نظير ذلك أنّه لو وقع البصير والأعمى في البئر فهما متشاركان في الهلاك إلاّ أنّ البصير أوْلى باللوم والمذمّة . ( وإنّ أشدّ أهل النار ندامة وحسرة ) يوم القيامة على التقصير في العمل الموجب للسعادة الاُخروية والانهماك في الخسران الموجب للشقاوة الأبدية ، والحسرة أشدّ التلهّف على الشيء الفائت . ( رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الله الجنّة ) وأكرمه بنعيمها الآجل قبوله الحقّ وعمله به . ( وأدخل الداعي النار بتركه علمه ) أي بسبب تركه علمه الداعي إلى الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة الباعثة على لقاء الله ورحمته والدخول في سلك المقرّبين في حضرته ، والجارّ في قوله : « بتركه » متعلّق بأدخل وتعلّقه بالحسرة والندامة بعيد لفظاً .